انقطاعات الماء الصالح للشرب تنتقل من القرى إلى ضواحي المدن
لم تعد أزمة انقطاع الماء الصالح للشرب مقتصرة على القرى والمناطق النائية، بل بدأت تزحف تدريجياً نحو ضواحي المدن الكبرى، لتكشف عن حجم التحديات التي تواجه المغرب في تدبير موارده المائية. خبراء البيئة يعزون هذه الوضعية إلى تداخل العوامل المناخية، وعلى رأسها استمرار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، مع اختلالات في التدبير وضعف البنيات التحتية.
شكايات من ضواحي المدن
في مدينة سوق الأربعاء بالقنيطرة، عبّرت الساكنة عن استيائها من الانقطاع المتكرر للماء وضعف الصبيب، حيث أوضحت الشركة الجهوية متعددة الخدمات أن الخلل ناتج عن عطب في القناة الرئيسية، غير أن مواطنين احتجوا على ما اعتبروه “تمييزاً”، لكون الأحياء الراقية لم تتأثر بالانقطاع.
الوضع نفسه يعيشه سكان أولاد بوثابت بإقليم سيدي سليمان منذ شهور، إذ تتكرر الانقطاعات في عز موجات الحرارة، ما يزيد من معاناة الأسر. أما في قرية اشماعلة السياحية بإقليم شفشاون، فقد أطلق السكان نداءً عاجلاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد انقطاع المياه عن مختلف الأحياء، بما فيها المناطق القريبة من البحر.
أزمة ممتدة وعوامل متشابكة
الخبير البيئي مصطفى برامل أوضح أن الموارد المائية في المغرب لم تسترجع عافيتها بعد أزمة 2003 – 2005، مشيراً إلى أن التساقطات المطرية صارت متقطعة وتأتي في فترات وجيزة، ما يمنع تجديد الفرشات المائية. وأضاف أن الانتعاش الذي شهدته بعض الآبار خلال الشتاء سرعان ما تلاشى بفعل السقي المفرط وتبخر المياه بسبب الحرارة المرتفعة.
وأشار برامل إلى أن الأزمة لا ترتبط فقط بالعوامل المناخية، بل أيضاً بأعمال تخريب متعمد لشبكات المياه بهدف الاستغلال غير القانوني، إضافة إلى تأخر الصيانة بعد انتقال تدبير الماء والكهرباء إلى الشركات الجهوية. واستشهد بحالة سيدي سليمان التي تعاني من تراجع حقينة سد القنصرة وتخريب القنوات المائية، في ظل غياب رقابة صارمة.
المناخ وضعف الحكامة
من جانبه، يرى الخبير في التنمية المستدامة المصطفى العيسات أن تراجع الموارد المائية يرتبط بأربعة أسباب رئيسية:
1. الحرارة المفرطة التي تتسبب في تبخر كميات هائلة من مياه السدود والبحيرات، مثل بحيرة الرومي في سيدي سليمان.
2. التحول الزراعي نحو مزروعات مستنزفة للماء كالبطيخ والتوت الأزرق والسويهلة في مناطق فلاحية حساسة.
3. تزايد الطلب مقابل قلة العرض، بفعل النمو الديمغرافي والتوسع الصناعي والفلاحي، وهو ما فرض البحث مؤخراً عن حلول بديلة عبر البرنامج الوطني للتزود بالماء الصالح للشرب ومياه السقي.
4. غياب الحكامة، إذ ما زالت طرق السقي التقليدية وغير الرشيدة مستعملة رغم استمرار سنوات الجفاف.
ويؤكد العيسات أن البرنامج الوطني الذي أُطلق بتعليمات ملكية وضخ فيه 145 مليار درهم، يراهن على تحلية مياه البحر، وربط الأحواض المائية، ومعالجة المياه العادمة لتخفيف الضغط على الفرشات الجوفية. لكن، برأيه، فإن النجاح رهين بترشيد الاستعمال وضبط الحكامة، حتى لا يبقى المغرب أسير نفس الأزمات كل صييف.




Sorry Comments are closed