في الوقت الذي ينصب فيه اهتمام الساحة السياسية على مذكرات الأحزاب الموجهة إلى وزارة الداخلية بخصوص الإطار القانوني للانتخابات المقبلة، بادرت رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين إلى تقديم رؤيتها لمشروع قانون المالية لسنة 2026، مقترحةً مجموعة من التدابير التي أثارت ردود فعل متباينة داخل مكونات الأغلبية الحكومية.
الرابطة قدمت ثماني مجموعات من المقترحات، وصفتها بأنها مدخل نحو “ميزانية طموحة ومسؤولة اجتماعيا”، مشددة على ضرورة إعطاء الأولوية لتعزيز الدولة الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتقوية السيادة الصحية والغذائية والمالية، إلى جانب دعم القدرة الشرائية للأسر المتضررة من التضخم سواء الناتج عن عوامل خارجية أو عن مضاربات داخلية.
ومن أبرز التوصيات، دعت الرابطة إلى محاربة المضاربات التي يباشرها بعض الوسطاء في سوق اللحوم، مع إعادة هيكلة القطيع الوطني وضمان وفرة منتجات الحليب واللحوم، فضلاً عن دعم الأسر عبر تخفيضات ضريبية مرتبطة بتمدرس الأبناء والتكوين، وتشجيع آليات الادخار لحماية الطبقات الوسطى.
كما اقترحت تقليص الفوارق في البنيات التحتية والخدمات، وبناء داخليات لفائدة تلاميذ الإعدادي والثانوي، وتوفير وسائل نقل مدرسي حديثة لأطفال العالم القروي، إلى جانب ربط الدعم الأسري بمدى التزام التلاميذ بالتمدرس.
في الجانب الاستثماري، شددت الرابطة على ضرورة تسريع تفعيل ميثاق الاستثمار وتذليل العقبات التنظيمية، مع ضمان استفادة المقاولات الصغرى والمتوسطة من الدعم المخصص لها. أما على صعيد التشغيل، فقد أوصت بتبني مقاربة جديدة أكثر نجاعة بعدما لم تحقق برامج مثل “إدماج” و”تحفيز” و”تأهيل” النتائج المرجوة، مقترحةً تخفيضاً بنسبة 50 في المائة في الانخراطات الجديدة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي خلال السنوات الثلاث الأولى من التصريح.
كما تضمنت التوصيات إطلاق برامج كبرى لخلق فرص عمل، من قبيل مشاريع التشجير على مستوى الجماعات، وإقامة أحزمة خضراء حول المدن الكبرى للحد من التلوث، إضافة إلى برنامج وطني لمحاربة التلوث البلاستيكي في اليابسة والبحر، يواكبه وعي مجتمعي.
غير أن هذه المبادرة لم تمر دون انتقادات، إذ أبدى حزبا الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار تحفظاتهما، معتبرين أن توقيت طرح هذه المقترحات غير ملائم. مصدر من داخل “البام” أوضح أن تقديم المقترحات أمر مشروع، لكنه يستوجب منهجية دقيقة واحترام المساطر المرتبطة بمشروع قانون المالية، والذي يبدأ بمصادقة المجلس الوزاري على توجهاته العامة قبل وصوله إلى البرلمان.
بدوره، أقر مصدر من حزب التجمع الوطني للأحرار بأن المذكرة تضمنت جوانب إيجابية، لكنه وصف المبادرة بـ”المراوغات الصغيرة” التي لا تخدم روح التحالف الحكومي، مشدداً على أن المذكرات ينبغي أن تُطرح في توقيت مناسب وباستناد إلى معطيات دقيقة.
تجدر الإشارة إلى أن رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين تضم نخبة من الفاعلين والخبراء في مجالات الاقتصاد والمالية، سواء من القطاع الخاص أو العام، وتُعرف بانخراط أعضائها في التفكير الاستراتيجي حول السياسات العمومية ذات الصلة بالتنمية الاقتصادية.




Sorry Comments are closed