العقوبات البديلة في المغرب.. عدالة إصلاحية توازن بين الردع والإدماج

Admin Admin6 أغسطس 2025Last Update :
العقوبات البديلة في المغرب.. عدالة إصلاحية توازن بين الردع والإدماج

في خطوة إصلاحية غير مسبوقة، تدخل العقوبات البديلة حيز التنفيذ في المغرب ابتداء من يوم الجمعة 22 غشت 2025، بعد مصادقة البرلمان على القانون 43.22 المتعلق بها، في إطار التعديلات الجوهرية التي طالت مجموعة القانون الجنائي. ويهدف هذا التحول إلى تقليص الاعتماد على العقوبات السالبة للحرية في بعض الجنح البسيطة، واستبدالها بتدابير بديلة تراعي مبدأي الردع والإدماج، في سياق رؤية شاملة لتحديث السياسة العقابية المغربية.

      إصلاح عميق بفلسفة جديدة

يرى نبيل ناجي، الباحث في العلوم القانونية، أن العقوبات البديلة تمثل نقلة نوعية في بنية المنظومة الجنائية، وتعكس وعياً تشريعياً متقدماً بأهمية تجاوز النموذج العقابي التقليدي القائم على الحبس، لا سيما في القضايا غير العنيفة. وأوضح أن هذا الإجراء يستجيب لتحديات حقيقية تواجه المؤسسات السجنية، وعلى رأسها الاكتظاظ، وظروف الإيواء الصعبة، والقدرة المحدودة على إعادة التأهيل.

وأشار ناجي إلى أن العقوبات البديلة تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية الأمن العام واحترام حقوق الإنسان، مضيفاً أن هذا النموذج لا يهدف إلى التراخي مع الجريمة، بل إلى تقديم بدائل إصلاحية ذات أثر فعّال على الجاني والمجتمع على حد سواء.

      شروط النجاح وتحديات التنزيل

نجاح هذا الورش التشريعي، بحسب ناجي، رهين بعدة عوامل، أبرزها التنزيل السليم لأحكام القانون، وتأهيل البنية التحتية والموارد البشرية لمواكبته، خاصة القضاة ووكلاء الملك والمحامين. كما شدد على أهمية الرقابة القضائية لضمان تنفيذ العقوبات وفق روح القانون لا شكله، مقترحاً آليات مثل العمل لفائدة المجتمع والمراقبة الإلكترونية باعتبارها أدوات فعالة تجمع بين الإصلاح والانضباط.

وأضاف أن العقوبة البديلة لا تُمنح تلقائياً، بل تستوجب تقديم طلب معلل إلى وكيل الملك مرفق بالوثائق اللازمة، ليُحال بعد ذلك إلى قاضي تطبيق العقوبات الذي يملك صلاحية الموافقة أو الرفض بعد دراسة شخصية وسلوك المحكوم عليه. كما أكد أن الاستفادة تظل مشروطة بألا تتجاوز العقوبة الأصلية خمس سنوات حبسا نافذا، وألا تكون الجريمة من النوع الخطير أو العائد فيها الجاني.

      استثناءات مشددة

القانون 43.22 يستثني فئات واسعة من الاستفادة من العقوبات البديلة، منها المدانون في قضايا تمس بأمن الدولة، أو الإرهاب، أو الفساد، والاتجار بالبشر، وجرائم الجريمة المنظمة، إضافة إلى العسكريين أثناء أداء الخدمة، والمتورطين في الاستغلال الجنسي للقاصرين أو ذوي الإعاقة.

أنماط العقوبات البديلة

خديجة ناصر، الباحثة في العلوم الجنائية والأمنية، ترى أن هذا القانون يشكل تحولا جوهرياً في فلسفة العقوبة، عبر إدراج أربعة أنماط بديلة:

1. العمل لفائدة المنفعة العامة: حيث يُطلب من المحكوم عليه تنفيذ أعمال اجتماعية دون مقابل، تتراوح مدتها بين 40 و3600 ساعة، وفق معايير تأخذ بعين الاعتبار سنه ومهنته وظروفه.

2. الغرامة اليومية: تحدد المحكمة مبلغاً مالياً يُدفع عن كل يوم من العقوبة السجنية، يتراوح بين 100 و2000 درهم، حسب الوضع المالي للمحكوم عليه.

3. السوار الإلكتروني: يُستخدم لتتبع تحركات الجاني في فضاء جغرافي محدد، مع مراعاة ظروفه الصحية والاجتماعية، ما يتيح مراقبة لصيقة دون الحاجة إلى السجن، رغم ما يطرحه من تحديات تتعلق بالخصوصية

4. التدابير الوقائية أو العلاجية: تشمل الإقامة المقيدة، والخضوع للعلاج النفسي، والتعهد بعدم الاتصال بالضحية، أو الالتحاق بدورات تكوينية أو تعليمية؛ وهي عقوبات تستهدف إصلاح السلوك لا فقط معاقبته.

         نحو عدالة جنائية مستدامة

تشدد ناصر على أن فلسفة هذا القانون تقوم على مقاربة إصلاحية تسعى إلى الحد من اكتظاظ السجون، وتقليل الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للعقوبة الحبسية، وتعزيز الإدماج الأسري والمهني للمحكوم عليهم. كما تؤكد أن المشرع المغربي يسعى من خلال هذا الإطار إلى تحقيق عدالة تصالحية تركز على معالجة أسباب الجريمة وإصلاح آثارها، وليس فقط معاقبة مرتكبيها.

وتختم الباحثة بالقول إن العقوبات البديلة تمثل تحولا عميقاً في فهم وظيفة العقوبة، لكنها تظل مشروطة بجاهزية الدولة على مستوى البنية القانونية والمؤسساتية، ومدى تقبل المجتمع لهذه الآليات كأدوات إصلاح فعالة، وليست مجرد تساهل مع الجريمة.

خلاصة: العقوبات البديلة في المغرب ليست مجرد تعديل قانوني، بل هي إعلان لمرحلة جديدة في السياسة الجنائية، تقوم على التوازن بين الزجر والإدماج، الردع والإصل

Comments

Sorry Comments are closed

Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)