هشاشة الحكامة الترابية تعمق غضب الشباب المغربي
شهدت مختلف مناطق المغرب خلال الفترة الأخيرة تصاعدًا في الاحتجاجات، قادها شباب حركة “جيل زد”، رافعين شعارات تطالب بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومؤكدين أن سوء تدبير الشأن المحلي هو أحد الأسباب الرئيسية لتدهور أوضاعهم في الجماعات التي ينتمون إليها.
المحتجون يحمّلون المسؤولين المحليين مسؤولية مباشرة عن فشل العديد من البرامج والمشاريع التي تم الإعلان عنها، مؤكدين أن غياب المحاسبة ساهم في تفشي الفساد وتراكم الثروات غير المشروعة لدى بعض المسؤولين عبر صفقات عمومية مشبوهة.
خلل في تنزيل المبادئ الدستورية
يرى الدكتور رشيد لزرق، أستاذ القانون الدستوري، أن احتجاجات الشباب تعبّر عن أزمة عميقة في الحكامة الترابية، مشيرًا إلى أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يجب أن يُفعل بشكل دائم وليس ظرفيًا أو مناسباتيًا.
وأضاف أن عدم تطبيق هذا المبدأ رغم التنصيص عليه في الدستور يؤدي إلى اختلالات متراكمة وسوء إدارة ينعكس سلبًا على التنمية المحلية. واعتبر لزرق أن التفعيل الحقيقي لهذا المبدأ كفيل بإعادة الثقة إلى المؤسسات وتعزيز الشفافية والنزاهة في تدبير الشأن المحلي.
دعوات لتحقيقات ومساءلة
في السياق نفسه، أكد رضوان دليل، ممثل الهيئة الوطنية لحماية المال العام، أن المحاسبة لم تعد خيارًا بل أصبحت ضرورة، خصوصًا في ظل تعثر العديد من المشاريع على المستوى المحلي، دون محاسبة فعلية للمسؤولين عنها.
ودعا إلى تدخل سلطات المراقبة، وعلى رأسها العمالات، من خلال إرسال لجان للتحقيق والبحث في خروقات الجماعات، حفاظًا على المال العام وتجنبًا لتصاعد الاحتقان الشعبي.
تساؤلات حول دور أجهزة الرقابة
يوسف اسميهرو، مستشار جماعي بسيدي مومن، شدد على ضرورة تفعيل آليات المحاسبة قبل نهاية الولاية الانتدابية للمسؤولين المحليين، معتبرًا أن الاعتماد على الشكايات الفردية أو انتظار وقوع فضائح لتفعيل المحاسبة يجعل هذا المبدأ الدستوري “حبراً على ورق”.
وأشار إلى أن الشباب لا يطالبون بأكثر من تطبيق القانون، محمّلًا سلطات الرقابة مسؤولية عدم استخدام صلاحياتها للحد من الاختلالات التي تعيق التنمية المحلية.
وأضاف أن التقارير المرفوعة خلال دورات المجالس الجماعية غالبًا ما تتضمن انتقادات واتهامات، في حين تظل سلطات الرقابة المالية والإدارية عاجزة عن التفاعل الجدي، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى التزامها بواجب المحاسبة.
الاحتجاجات تفتح باب المحاسبة
من جهته، يرى الباحث الجامعي عبد الرحيم أضاوي أن القوانين التنظيمية التي صدرت منذ 2015 فتحت بالفعل باب المحاسبة، حيث تم عزل عدد من المنتخبين المحليين، فيما واجه آخرون عقوبات قضائية.
وأوضح أن ملف صفقات الجماعات الترابية، خاصة في قطاع الأشغال، يعاني من اختلالات كبيرة تؤثر سلبًا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتفقد المواطن الثقة في مؤسسات الدولة، مما يدفعه إلى الاحتجاج.
ولفت إلى أن المحتجين لا يميزون بين مختلف المؤسسات والهيئات، فهم يرون “الدولة” كمجموعة واحدة تشمل الحكومة، البرلمان، الجماعات الترابية، وحتى الأحزاب السياسية.
ودعا إلى إعادة النظر في اختصاصات الجماعات الترابية، خاصة في مجالي الصحة والتعليم، تماشيًا مع توجه المغرب نحو الجهوية المتقدمة كشريك أساسي في التنمية.
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن الخطاب الملكي المرتقب في افتتاح الدورة البرلمانية المقبلة سيكون فرصة للإجابة عن الكثير من الأسئلة التي يطرحها المواطن المغربي حول هذه القضايا.




Sorry Comments are closed