تعيش مناطق واسعة من الشمال الغربي للمملكة، منذ أيام، على وقع حالة استنفار قصوى بسبب الارتفاع المهول في منسوب مياه واد سبو، الناتج عن التساقطات المطرية الغزيرة، مرفوقة بتنـفيس جزئي لسد الوحدة، ما خلف خسائر جسيمة في الممتلكات الفلاحية وهدد سلامة الساكنة.

وتحت سماء مثقلة بالغيوم، اتجهت فرق ميدانية إلى دواوير تابعة لجماعة دار الكداري، حيث فرضت السلطات المحلية، بمعية عناصر الدرك الملكي، طوقا أمنيا حال دون الولوج إلى جماعة الرميلات، باستثناء تدخلات فرق الوقاية المدنية ورجال السلطة والقوات المساعدة، المخصصة لإجلاء المحاصرين.
ومع التقدم داخل تراب الرميلات، بدت آثار الفيضان واضحة؛ إذ غمرت المياه الحقول الزراعية، وحظائر الماشية، والسوق الأسبوعي، فيما اضطرت السلطات إلى فتح ممر مائي لتخفيف ضغط مياه الواد عن الطريق الرابطة بين المناطق.

وفي حدود الساعة الواحدة والنصف بعد الزوال، باشرت عناصر الوقاية المدنية، على متن زورق مطاطي من نوع “زودياك”، عملية إجلاء عدد من الأشخاص الذين حاصرتهم المياه وسط الحقول، بعد أن أبدوا في وقت سابق ترددا في مغادرة منازلهم، خوفا على ماشيتهم التي تمثل مصدر رزقهم الوحيد.
وأكدت السلطات المحلية أن عملية إيواء المتضررين تتم بمؤسسات تعليمية بدار الكداري، مشددة على توفر ظروف ملائمة، وعدم تسجيل أية خسائر في الأرواح إلى حدود الساعة.
دواوير معزولة وقلق متزايد
وبالانتقال إلى إقليم سيدي سليمان، يتجلى تباين منسوب الخطر من منطقة إلى أخرى، غير أن التهديد ما يزال قائما. فعند مدخل جماعة أولاد حسين، تجمع السكان في مجموعات، يرقبون بقلق زحف مياه الفيض التي تتقدم يوما بعد آخر.
ومن بين المتضررين، منير شرف، الذي وجد نفسه عاجزا عن الوصول إلى دوار “العبييات” بعد عودته من القنيطرة، حيث طوقته المياه من كل الجهات. وأعرب، في تصريح، عن تخوفه على مصير أفراد عائلته الأربعة عشر، العالقين رفقة مئات السكان، مشيرا إلى أن التواصل معهم يقتصر على الهاتف.
وأكد المتحدث أن المنطقة لم تشهد فيضانا بهذا الحجم منذ أكثر من 16 سنة، معتبرا أن ما يحدث يفوق في حدته فيضانات سنة 2009، رغم مجهودات السلطات المبذولة.

عمليات إجلاء وسط أجواء من الرعب
وتواصل السلطات عمليات إجلاء دواوير عدة بالجماعة، من بينها: السوالم، القليعة، قرية الحسناوي، العبييات، الغراربة، العزابة، وتيهلي الكبير، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي داهمتها المياه فعليا. ويتم نقل المتضررين إلى ثانويتي أولاد بدي والخلايق، فيما لا تتوقف الجرارات المقطورة عن التنقل لإجلاء السكان رفقة ماشيتهم.
وفي هذا السياق، أوضح عمر المعزاري أنه تمكن من إخراج ماشية شقيقه إلى منطقة آمنة، مضيفا أن عمليات إجلاء المواشي انطلقت متأخرة، رغم أن المشاهد الحالية لم تشهدها المنطقة حتى خلال فيضانات 2009 و2010.

من جهته، عبّر نور الدين، أحد أبناء المنطقة، عن قلقه الشديد على أقاربه المحاصرين بدواوير سوق الجمعة والقليعة، مؤكدا أنهم يعيشون في حالة رعب حقيقي، وأن همّ الساكنة بات منصبا على إنقاذ الأرواح أكثر من الحفاظ على الأراضي.
نقاش المسؤولية وتباين الآراء
وفي خضم الأزمة، عاد الجدل حول تدبير سد الوحدة، حيث اعتبر متضررون أن التفريغ الجزئي جاء متأخرا، مما فاقم حجم الخسائر. في المقابل، أوضح الخبير المائي محمد بازة أن التساقطات الأخيرة كانت استثنائية وفاجأت حتى المشرفين على السدود، ما فرض اللجوء إلى التفريغ الجزئي لتفادي الأسوأ.

وأكد الخبير أن الوضعية الحالية غير مسبوقة في التاريخ القريب للمملكة، سواء بمنطقة الغرب أو بالشمال، وهو ما يفسر محدودية السيناريوهات المرجعية لدى السلطات.
خسائر فلاحية جسيمة ومطالب بالتعويض
ورغم عدم تسجيل خسائر بشرية، فإن الخسائر الفلاحية وُصفت بالجسيمة، حيث غمرت المياه المحاصيل الموسمية، وأتلفت أعلاف الماشية، وألحقت أضرارا كبيرة بالأشجار المثمرة، خاصة التفاح والليمون والخوخ.
وطالب المتضررون بتدخل عاجل لدعم الفلاحين، داعين إلى تعويضات عادلة تعكس حجم الخسائر، وليس مساعدات رمزية.
وفيما تواصل السلطات سباقها مع الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، تظل الساكنة تترقب بقلق تطورات الوضع، خاصة مع توقعات الأرصاد الجوية بتساقطات جديدة قد تزيد من حدة الفيضانات خلال الساعات المقبلة.




Sorry Comments are closed