في قلب الحقول المزهرة بواحات دادس ومكونة بإقليم تنغير، حيث تفوح رائحة الورد العطري في كل زاوية، تتوارى خلف هذا الجمال اليومي حكايات نساء يكافحن بصمت. مع طلوع أول خيوط الفجر، تبدأ يوميات عشرات، بل مئات النساء، في قطف الورد العطري وسط حرارة الشمس وأشواك الأغصان التي تجرح الأيادي وتترك آثارها على الوجوه المغبرة.
رغم القيمة العالية التي تُباع بها منتجات الورد العطري في الأسواق الوطنية والعالمية، لا تتجاوز أجور هؤلاء النسوة دراهم معدودة يوميًا، لا تكفي لتلبية حاجياتهن الأساسية. ومع ذلك، يستمر العمل، مدفوعًا بضرورة الإعالة ورغبة صادقة في دعم الأسرة.

فاطمة، وهي أربعينية تعمل منذ ثماني سنوات في قطف الورد، تقول: “نخرج قبل بزوغ الشمس، ونعود والعرق قد جف على جباهنا، لنقبض أجورًا لا تكاد تسد الرمق، فهل هذا عدل؟”. تؤكد أن العمل ليس فقط مرهقًا جسديًا، بل يتم في ظروف قاسية دون أي حماية صحية أو اجتماعية.
فتيحة، امرأة تبلغ 55 عامًا، تسرد هي الأخرى واقعًا لا يختلف كثيرًا: “نشتغل تحت الشمس، دون ماء بارد أو ظل، مقابل أجر لا يوازي المجهود المبذول. لكن لا خيار آخر أمامنا”. وتضيف أن قاطفات الورد محرومات من أبسط الحقوق كالتغطية الصحية أو التسجيل في الضمان الاجتماعي.
بالنسبة لكثير من النساء، قطف الورد ليس مجرد عمل موسمي، بل هو وسيلة بقاء. منهن الأمهات، الأرامل، أو من يعِلن أسرًا بأكملها، ولا يملكن بديلاً اقتصاديًا آخر. خديجة، على سبيل المثال، تعمل رغم معاناتها من آلام الظهر، لتتمكن من إعالة زوجها المريض وأطفالها.

ويتساءل محمد أعبي، فاعل حقوقي، عن التناقض الصارخ بين القيمة المرتفعة لمنتجات الورد وبين ما تحصل عليه العاملات في أول مراحل الإنتاج. ويؤكد على ضرورة رد الاعتبار لهذه الفئة المهمشة، خصوصًا في إطار فعاليات مثل الملتقى الدولي للورد العطري، الذي ينبغي أن يُخصص جزءًا من موارده للاستماع إليهن وتكريمهن لا مجرد الاحتفاء بالمظهر الخارجي للمنتوج.
زينب، شابة في الثلاثينات، تعبّر عن استيائها من المهرجانات التي تُقام باسم الورد العطري، بينما من تصنع هذا الجمال بيديها تبقى في الظل، دون حقوق، ولا تأمين، ولا حتى اعتراف رسمي بجهدها.

“نحن نساء الورد”، تقول إحدى العاملات من واحة مكونة، “نقطف الجمال بأيدينا ولا نحتفظ بعطره. نعيش خلف الصور والكتيبات والابتسامات الزائفة. نعطي، لكننا لا نأخذ”.
تشبه هذه النساء بمن ينقبن عن الذهب والفضة ولا يحظين حتى بخواتم من المعدن الذي استخرجن. فبينما يلمع العطر في قارورات أنيقة على رفوف المتاجر، تبقى القصص الحقيقية خلفه غائبة.

ويطالب الفاعلون الحقوقيون بإدماج هؤلاء النساء في المنظومة الاقتصادية بشكل عادل، من خلال تنظيم العمل الموسمي، وتوفير آليات الحماية الاجتماعية، وإنشاء تعاونيات تضمن دخلاً مستقراً وتدريباً مهنياً، إلى جانب وسائل وقاية من الشمس والأشواك.
فكل وردة تُقطف، تخفي وراءها قصة كفاح، ووجهًا أنثويًا لم يُذكر في تقارير الأرباح، ولا نال شيئًا من العطر الذي صنعته أنامله. وقد آن الأوان لرد بعض من الجميل.





Sorry Comments are closed