في عامه السابع والثمانين، أسدل الطيار الحربي صالح حشاد الستار على مسيرة حافلة انتهت برحيله عن الدنيا، بعدما كان أحد أبرز المعتقلين في سجن تازمامارت سيء الذكر، إثر المحاولة الانقلابية الثانية على الملك الحسن الثاني سنة 1972. وقد أمضى حشاد ثمانية عشر عاما خلف جدران السجن، موثقاً مأساته في شهادات مكتوبة ومرئية، روت تفاصيل الفشل العسكري والسنوات القاسية داخل المعتقل.
الراحل، الذي شيّع جثمانه عصر اليوم الأحد بمدينة القنيطرة، تدرج في مساره العسكري منذ التحاقه بالمدرسة العسكرية بمراكش، ثم قيادة طائرة سوفييتية قبل أن ينتقل للتدريب بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث تفوق على أقرانه وكان الأول في دفعته. ومع عودته إلى المغرب في الستينيات تقلّد مناصب متقدمة داخل سلاح الجو، حتى أصبح رئيساً للعمليات في القاعدة الجوية بالقنيطرة، قبل أن يجد نفسه، دون علم مسبق، على رأس سرب يهاجم الطائرة الملكية يوم 16 غشت 1972.
زميله السابق في المعتقل، عبد الله أعكاو، أكد في حدث لوموند24 أن حشاد حُكم عليه بداية بالإعدام، غير أن الحكم خُفف إلى 20 سنة بعدما تبيّن أنه لم يكن على علم بالهدف ولا بتسليح الطائرات. وأضاف أعكاو: “تعرفت عليه في الستينيات، كان مشرفاً على المهام الجوية، يوزع الأدوار على الطيارين ويحدد عدد الطائرات اللازمة لكل مهمة. كان من أوائل الطيارين بالقاعدة الجوية ببنسليمان، وشارك في أحداث الريف، لكنه لم يقم بالقصف كما يُروّج، بل كان في مهمة أخرى رفقة الجنرال إدريس بنعمر.”
وتوقف أعكاو عند الدور البارز الذي لعبه الراحل في إيصال صوت معتقلي تازمامارت إلى الخارج عبر زوجته عايدة، التي كانت تتولى تهريب المقويات الغذائية بدل الأدوية نظراً لضعف تغذية السجناء، كما ساهمت في نقل معاناتهم إلى العالم بتنسيق مع زوجة المعتقل الأمريكي الأصل مبارك الطويل.
كما انتقد أعكاو موقف الأحزاب السياسية آنذاك، التي تخلت عن المعتقلين ورفضت استقبال زوجة حشاد، وهو ما جمع بين موقف المعارضة والأحزاب الحكومية. ومن أبرز المواقف التي بقيت راسخة، لقاء ابنة حشاد بالملك الحسن الثاني، حيث تساءل باستغراب: “هل هؤلاء لا يزالون على قيد الحياة؟”
هكذا يطوي المغرب صفحة أحد الطيارين البارزين، الذين اختزلت حياتهم بين التفوق العسكري، والتورط غير المقصود في محاولة انقلابية، ثم سنوات طويلة من السجن والمعاناة، قبل أن ينال أخيراً شرف الرحيل بين أهله وذويه.




Sorry Comments are closed