الناخب ليس شاهدًا… بل قاضٍ في صندوق الاقتراع الصوت الانتخابي بين المحاسبة وتجديد الثقة

Admin Admin4 ساعات agoLast Update :
الناخب ليس شاهدًا… بل قاضٍ في صندوق الاقتراع الصوت الانتخابي بين المحاسبة وتجديد الثقة
الناخب ليس شاهدًا… بل قاضٍ في صندوق الاقتراع الصوت الانتخابي بين المحاسبة وتجديد الثقة

*فاطمة امغينيف*
مع كل استحقاق انتخابي، تتكرر المشاهد ذاتها: حملات انتخابية صاخبة، ووعود تتسابق على كسب الناخبين، ونقاشات لا تنتهي حول نسب المشاركة والعزوف. لكن وسط هذا الضجيج، يغيب سؤال أكثر عمقًا: ماذا يعني حقًا أن يضع المواطن ورقته في صندوق الاقتراع؟ هل هي مجرد مساهمة في اختيار ممثلين جدد، أم أنها فعل سياسي يحمل في طياته رسالة واضحة إلى من يحكم وإلى من يطمح إلى الحكم؟
إن اختزال العملية الانتخابية في كونها مناسبة دورية لاختيار الأشخاص يفرغها من مضمونها الديمقراطي. فالصوت الانتخابي ليس مجرد إجراء قانوني يمنح الشرعية للفائزين، بل هو التعبير الأسمى عن سيادة المواطن، والوسيلة التي تتحول بها الإرادة الشعبية إلى سلطة رقابية قادرة على منح الثقة أو سحبها. ولهذا، فإن قيمة التصويت لا تكمن في عدد الأوراق المودعة في الصناديق، وإنما في الرسالة التي تحملها كل ورقة اقتراع.
في جوهرها، تقوم الديمقراطية على مبدأ بسيط لكنه بالغ الأهمية: لا سلطة من دون مساءلة، ولا ثقة من دون استحقاق. ومن هذا المنطلق، يصبح الصوت الانتخابي أولى أدوات المحاسبة السياسية. فالمنتخب الذي نال ثقة المواطنين لا يحصل على تفويض مفتوح، بل يلتزم أمام ناخبيه ببرنامج ورؤية وتعهدات محددة. وعندما تنتهي ولايته، يعود إلى المواطن ليقدم حصيلة عمله، لا شعاراته. وهنا يتحول صندوق الاقتراع إلى محكمة ديمقراطية هادئة، لا تصدر أحكامها بالخطب أو المزايدات، وإنما بأوراق التصويت.
فإذا كانت الحصيلة إيجابية، وكانت الوعود قد تحولت إلى سياسات وإنجازات ملموسة، فإن إعادة انتخاب المسؤول تمثل اعترافًا بأدائه وتجديدًا للثقة فيه. أما إذا كانت الولاية مليئة بالإخفاقات أو بالتراجع عن الالتزامات، فإن سحب الثقة عبر صناديق الاقتراع يصبح ممارسة ديمقراطية مشروعة، تؤكد أن السلطة ليست امتيازًا دائمًا، وإنما مسؤولية مرتبطة بالنتائج.
غير أن المحاسبة الحقيقية لا تتحقق بمجرد إجراء الانتخابات، بل ترتبط بدرجة وعي الناخب نفسه. فحين يصبح الاختيار مبنيًا على الولاءات الضيقة أو الاعتبارات الشخصية أو الوعود الآنية، يفقد الصوت الانتخابي وظيفته الرقابية، ويتحول إلى مجرد رقم في معادلة انتخابية. أما عندما يستند الاختيار إلى تقييم البرامج، وقراءة الحصيلة، ومقارنة الكفاءات، فإن التصويت يتحول إلى أداة فعالة لتجويد الحياة السياسية وتجديد النخب.
ومن جهة أخرى، فإن الثقة ليست نقيضًا للمحاسبة، بل هي نتيجتها الطبيعية. فلا يمكن لمواطن واعٍ أن يجدد ثقته في مسؤول لمجرد الانتماء أو الخطاب، بل لأنه وجد في أدائه ما يستحق الاستمرار. لذلك، فإن كل تجديد للثقة ينبغي أن يكون مبنيًا على معايير موضوعية، لا على العاطفة أو الانطباعات العابرة. فالثقة في الديمقراطية ليست هبة مجانية، وإنما مكافأة يمنحها المواطن لمن أثبت كفاءته ونزاهته واحترامه للتعاقد الذي جمعه بالناخبين.
وفي السياق المغربي، حيث جعل دستور سنة 2011 من مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة أحد ركائز الحكامة الجيدة، تكتسب الانتخابات بعدًا يتجاوز مجرد التنافس الحزبي. فهي مناسبة لاختبار مدى نضج الممارسة الديمقراطية، ومدى قدرة المواطن على تحويل صوته إلى أداة للتغيير والإصلاح. فكل صوت يمنح دون قناعة، أو يمتنع عن الإدلاء به دون وعي، يترك أثرًا في مستقبل المؤسسات وفي جودة السياسات العمومية.
إن الديمقراطية لا تُقاس بنسبة المشاركة وحدها، بل بمدى إدراك المواطنين أن أصواتهم ليست مجرد حق دستوري، وإنما مسؤولية وطنية. فحين يدرك الناخب أن صوته قادر على مكافأة المجتهد ومعاقبة المقصر، يصبح الاقتراع فعلًا سياسيًا راقيًا، لا مجرد طقس انتخابي يتكرر كل بضع سنوات.
في النهاية، يبقى السؤال مطروحًا على كل ناخب قبل أن يدخل إلى معزل التصويت: هل أمنح صوتي بدافع الثقة؟ أم أستخدمه للمحاسبة؟ وربما تكون الإجابة الأدق أن الديمقراطية الحقيقية لا تفصل بين الأمرين؛ فهي تجعل المحاسبة أساسًا للثقة، وتجديد الثقة نتيجةً للمحاسبة. وما بينهما تتحدد جودة المؤسسات، وقوة الدولة، ومستقبل المجتمع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.