بقلم
عافية صابر
هناك نساء يكتفين بأن يعشن أيامهن، ونساء أخريات يعشنبين
حياتهن وكأنها رسالة. أما هي، فلم تكن ترى حياتها مجرد سنوات تتعاقب، بل كانت ترى أنها رحلة بدأت قبل أن تتذكرها، وما زالت تكمل فصولها حتى اليوم.
عندما كانت تتحدث، لم تكن تبحث عن من يصدقها أو يكذبها، ولم تكن تنتظر حكماً من أحد. كانت تتكلم بهدوء الإنسان الذي عاش تجربة تركت آثارها في روحه، حتى أصبحت جزءاً من تكوينه.
كانت تقول إنها تشعر، منذ سنوات طويلة، أن روحها تحمل ذاكرة لا تعرف كيف تفسرها. ترى أماكن فتشعر أنها مرت بها، وترى وجوهاً فيخال إليها أنها عرفتها قبل هذا العمر. ولم تكن تعتبر ذلك مجرد خيال، بل تجربة داخلية رافقتها سنوات، صنعت جزءاً من يقينها…
وكانت الأحلام بالنسبة إليها عالماً آخر.
لم تكن تراها مجرد صور عابرة، بل رسائل تحتاج إلى تأمل.
كم من مرة رأت في منامها حدثاً، ثم وقع بعد أيام أو أشهر أو سنوات.٠
وكم من مرة جاءها شخص في المنام يحذرها من طريق، أو يبشرها بأمر، أو يصف لها موقفاً، ثم وجدت الواقع يسير في الاتجاه نفسه.
وتحكي عن امرأة جاءت إليهافي الرؤيا، عرفت نفسها باسمها واسم زوجها، وقالت إنها من عالم آخر، ثم أخذت تخبرها بأحداث تخص أسرتها، وحددت لها أياماً معينة، وكانت الأيام تمر حتى يقع ما رأته كما وصفته.
وتروي أنها كانت تمرض، ثم ترى في المنام دواءً بعينه، فتستيقظ وتستعمله، فتشعر بالشفاء.
ورأت مرة امتحاناً كاملاً وهي نائمة، فلما دخلت الامتحان وجدته كما رأته في رؤياها.
ثم تحكي عن رجل لم تكن ترى وجهه بوضوح، لكنه كان يرتدي لباساً رمادياً، يأتي كلما احتاجت إلى التوجيه، يطمئنها، ويخبرها بما ينبغي أن تنتبه إليه، حتى أصبح حضوره في حياتها مصدراً للأمان.
وفي إحدى الرؤى، أخبرها عن رجل ستلتقيه بعد سنوات، وصف هيئته بدقة، وحذرها منه.
ومرت الأعوام…
حتى جاء الرجل نفسه، كما وصفه المنام، فعاشت معه تجربة مؤلمة، ثم تذكرت التحذير القديم، وعرفت أن الرؤيا سبقت الواقع بسنوات.
ولذلك أصبحت تنظر إلى أحلامها باحترام شديد.
ومع كل هذا العالم الغامض الذي تعيشه، فإن يقينها الأكبر لم يكن في الرؤى.
بل في الله.
كانت تقول دائماً:
“أنا لا أطلب من الناس، أطلب من الله.”
وكانت ترى أن الله هو الذي يفتح لها الأبواب، ويرشدها، ويحفظها، ويبعث إليها الطمأنينة.
وكانت تعتبر أن كل خير وصلت إليه إنما هو فضل من الله وحده.
لم تكن تتحدث عن ثقتها بالله حديثاً نظرياً، بل كانت تعيشها في تفاصيل يومها.
في نجاحها.
وفي تجارتها.
وفي مشاريعها.
وفي تربية أبنائها.
وفي تجاوزها للمحن.
كانت تشعر أن يد العناية الإلهية لا تفارقها.
ورغم انشغالها الكبير، فإنها لا تخفي أمنية صغيرة تسكن قلبها.
كانت تقول إنها تحتاج إلى رجل يحميها…
ثم تعود فتقول إنها لا تريد أحداً.
كأن قلبها يعيش بين حاجتين؛ حاجة إنسانية إلى الرفقة، وثقة عميقة بأن الله هو الحافظ والكافي.
ولذلك كانت تمضي في حياتها وحدها، قوية، متماسكة، حتى إذا اشتدت عليها الأيام، رفعت رأسها إلى السماء قبل أن تلتفت إلى الأرض.
أما مكتبها…
فلم يكن مجرد غرفة.
كان عالماً كاملاً.
غرفة نومها جميلة ومهيأة، لكنها كانت تختار أن تنام أحياناً على الكنبة الموجودة في مكتبها.
هناك، بين الكتب.
بين الملفات.
بين الأوراق.
بين الأفكار.
كانت تشعر أنها أقرب إلى نفسها.
رأيت مكتباً لا يشبه المكاتب الصامتة.
بل يشبه عقل صاحبه.
رفوف ممتلئة بالكتب.
كتب في التاريخ.
وكتب في القانون.
وكتب في الأدب.
وكتب في اللغات.
وكتب في التربية.
وأوراق متراكمة، لا لأنها تهمل النظام، بل لأن الوقت لا يكفي لترتيب كل ما تعمل عليه.
قالت لي يوماً:
“ليس لدي وقت.”
وكنت أصدقها.
فالمكان كله يوحي بأن صاحبه يعمل أكثر مما يرتب.
وفي ذلك المكتب أيضاً، كانت صورة ملك المغرب تتصدر المكان.
لم تكن صورة معلقة فحسب.
بل كانت تعبيراً عن انتماء واضح.
كانت تقول إنها تحب ملكها، وتعتز ببلدها، وتتشبث بعرش وطنها.
وكان هذا الشعور جزءاً من هويتها، كما هو حبها لأسرتها، ولمهنتها، ولمشاريعها.
وعندما كانت تتحدث عن أبنائها، كان صوتها يتغير.
كانت الأم تتقدم على كل الألقاب.
كانت تذكر أبناءها بفخر وامتنان.
وتحمد الله على نعمه.
وتفرح بكل نجاح يحققونه.
وكانت ترى أن أعظم إنجازاتها ليست الشركات ولا المشاريع، بل الأبناء الذين ربتهم.
أما الدين…
فكان حديثه مختلفاً.
قالت إنها مسلمة.
وتنطق الشهادتين بيقين.
وتحب رسول الله ﷺ حباً عظيماً.
وتحب كذلك المسيح عليه السلام، لا لأنها تريد أن تغير دينها، بل لأنها ترى فيه السلام والرحمة، وتحب السيدة مريم عليها السلام، وتتأمل قصص الأنبياء جميعاً.
كانت ترى في رسول الله ﷺ القوة والحكمة والهداية.
وترى في المسيح عليه السلام الرحمة والسلام.
ولم تجد في قلبها تعارضاً بين حبها لأنبياء الله جميعاً، وبين ثباتها على الإسلام.
ولعل أكثر ما بقي في ذاكرتي عنها أنها لم تكن امرأة تبحث عن الإعجاب.
كانت تبحث عن المعنى.
كانت تؤمن أن الإنسان لا يقاس بما يملك، بل بما يترك من أثر.
ولذلك كانت تحيط نفسها بالكتب.
وتملأ وقتها بالتعلم.
وتبدأ يومها بخدمة أبنائها.
وتختمه بين صفحات كتاب.
ثم تنام في مكتبها، مطمئنة، كأنها تقول للعالم كله:
“ما دام الله معي، فلست وحدي.”
وربما كانت هذه الجملة، وإن لم تنطق بها حرفياً، هي أكثر ما لخص شخصيتها في نظري.
الفصل الثاني: امرأة لا تُقاس بالأيام
حين تأملت حديثها طويلاً، أدركت أنني لا أتحدث مع امرأة عادية.
ليس لأنها تدعي امتلاك الحقيقة، بل لأنها تعيش حياتها وكأنها في حوار دائم مع نفسها، ومع ربها، ومع الزمن.
في داخلها شيء لا يهدأ.
ليست ممن يكتفون بأن يفتحوا أعينهم صباحاً ليكرروا ما فعلوه بالأمس.
بل تستيقظ كل يوم وفي ذهنها مشروع جديد، أو كتاب جديد، أو فكرة جديدة، أو حلم جديد.
وربما لهذا السبب لا تعرف الراحة.
أخبرتني أنها حين تستيقظ، لا تبدأ يومها بنفسها.
تبدأه بأبنائها.
ترتب البيت.
تعد الطعام.
تطمئن عليهم.
ثم تخرج إلى عملها.
ومن هناك تبدأ رحلة أخرى، رحلة الإدارة، والمسؤولية، والقرارات، ومواجهة الناس.
وحين يعود كثير من الناس إلى بيوتهم ليناموا، تبدأ هي ورديتها الثانية.
تجلس في مكتبها.
وحيدة…
لكنها لا تشعر بالوحدة.
حولها الكتب.
وأمامها الأوراق.
وبجانبها أفكار لم تولد بعد.
وهناك تجد نفسها.
المكتب بالنسبة لها ليس أثاثاً.
إنه وطن صغير.
كل رف يحمل قصة.
وكل كتاب يحمل رحلة.
وربما لهذا السبب لم تهتم كثيراً بأن يكون كل شيء في مكانه.
فالذي يعيش داخل الأفكار، لا يقيس الحياة باستقامة الرفوف.
بل بامتلاء العقل.
وأثناء حديثها، كنت ألاحظ شيئاً غريباً.
كلما تحدثت عن المال، انتقلت بسرعة إلى الشكر.
وكلما تحدثت عن النجاح، أعادت الفضل إلى الله.
وكأنها تخشى أن تنسب لنفسها ما ترى أنه فضل من خالقها.
كانت تردد:
“الحمد لله.”
لا على سبيل العادة.
بل على سبيل الامتنان.
ثم توقفت عند نقطة لم تغب عن ذهني.
قالت إنها تساعد المحتاجين.
تفتح حقيبتها، وتعطي من يحتاج.
ولم تقل ذلك لتفاخر.
بل قالته لأنها تعتبر النعمة مسؤولية.
وكأنها تؤمن أن المال لا يكتمل إلا إذا مرّ بجزء منه إلى يد محتاج.
ثم انتقلت إلى الحديث عن القراءة.
وهنا شعرت أنني أمام عاشقة كتب.
ليس من أولئك الذين يشترون الكتب ليملؤوا المكتبات.
بل ممن يقرأونها.
ويضعون بينها الأوراق.
ويعودون إليها.
ويحاورونها.
كانت مكتبتها تشهد بذلك.
لم أر فيها ترتيباً متحفياً.
بل رأيت حياة.
ولفتني أيضاً أمر آخر.
قالت إنها تحب التاريخ.
لكنها لا تحبه لأنه ماضٍ.
بل لأنها تبحث فيه عن الإنسان.
تحب الأنبياء.
تحب الحضارات.
تحب مصر القديمة.
تحب إيطاليا.
وتقف أمام قطعة أثرية ساعات، وكأنها تريد أن تسمع منها الحكاية التي لم تُكتب.
إنها لا ترى الحجر.
بل ترى الزمن المختبئ داخله.
وسألت نفسي:
لماذا تهتم هذه المرأة بالآثار؟
فوجدت الجواب في حديثها.
لأنها تؤمن أن للأشياء ذاكرة.
كما تؤمن أن للأرواح ذاكرة.
ولذلك حين ترى قطعة مدفونة تحت شجرة قديمة، لا تنظر إلى قيمتها المادية أولاً.
بل تتساءل:
من الذي لمسها؟
ومن الذي أخفاها؟
وما القصة التي دفنت معها؟
وفي كل مرة كانت تتحدث عن رؤاها، لم أشعر أنها تريد إقناع أحد.
بل كانت تحكيها كما يحكي الإنسان ذكرياته.
قد يصدقها الناس.
وقد لا يصدقونها.
لكنها بالنسبة إليها جزء من سيرتها.
ولعل أكثر ما أثر في نفسي قولها:
“أنا لا أحكي هذه الأمور لأحد.”
هذه الجملة وحدها كانت كافية لأفهم أنها لا تبحث عن جمهور.
بل كانت تبحث عن أذن تسمعها دون سخرية.
وأنا أكتب عنها، لم أشعر أنني أكتب عن امرأة تؤمن بالأحلام فقط.
بل عن امرأة تؤمن بالعمل أيضاً.
فهي لا تنتظر الرؤيا لتجلس.
بل إذا رأت خيراً، اجتهدت.
وإذا واجهت مشكلة، بحثت عن حل.
وإذا تعثرت، قامت.
وهذه ربما هي أجمل صفاتها.
أنها لا تجعل الإيمان بديلاً عن السعي.
بل تجعل الإيمان وقوداً للسعي.
لا أعرف ماذا سيكتب عنها التاريخ.
ولا أعرف ماذا ستنجز بعد سنوات.
لكنني أعرف شيئاً واحداً.
أنها من أولئك الأشخاص الذين يتركون أثراً في كل مكان يمرون به.
لأن الإنسان لا يخلده المال.
ولا المنصب.
ولا الشهرة.
بل يخلده ما يزرعه في الناس، وما يتركه من علم، وما يقدمه من خير.
وأنا أختم هذا الفصل، خطر ببالي وصف واحد يناسبها:
هي امرأة تؤمن أن الحياة ليست طريقاً نمشي فيه وحدنا، بل رحلة نمشيها مع الله، وكلما اشتدت ظلمة الطريق، ازداد يقينها بأن
النور يأتي من السماء قبل أن يأتي من الأرض
الفصل الثالث: المرأة التي تنام بين الكتب
حين رأيتُ مكتبها، لم أرَ مجرد رفوف خشبية تحمل كتبًا.
رأيتُ حياةً كاملة.
رفوفٌ امتلأت بكتب القانون، والسياسة، والأدب، واللغات، والتاريخ، والدين، والروايات. بين الكتب صور لأبنائها، وأشياء صغيرة لا قيمة مادية لها، لكنها تحمل قيمة عاطفية كبيرة. كأن كل زاوية من ذلك المكان تقول: “هنا مرت سنوات من الكفاح.”
هي لا تنام في غرفة نومها الجميلة.
بل تنام على أريكة في مكتبها.
قد يستغرب الناس ذلك، لكنها لا تستغربه.
لأنها تشعر أن روحها تسكن بين الكتب، وأن الأفكار تؤنسها أكثر من الجدران المزخرفة.
في ذلك المكتب الكبير، قد يراها الزائر مزدحماً، لكنها لا تراه فوضى.
إنه تاريخها.
كل كتاب فيه يحمل ذكرى.
كل ورقة مشروع لم يكتمل بعد.
كل ملف بداية حلم جديد.
قالت لي إنها لا تحب أن يرتب أحد مكتبها.
ابتسمت وأنا أقرأ كلماتها.
بعض الأشخاص يرتبون أغراضهم ليعرفوا أين هي.
أما هي، فهي تعرف مكان كل شيء حتى وسط ما يراه الآخرون ازدحاماً.
ثم رأيت صورة كبيرة لملك المغرب، معلقة أمام مكتبها.
لم تقل ذلك لتتباهى.
قالته بمحبة.
قالت إنها متشبثة بملكها، وبعرش بلدها، وبوطنها.
هناك أناس يحبون أوطانهم بالكلمات.
أما هي، فتعيش ذلك الشعور.
الوطن عندها ليس شعاراً.
إنه انتماء.
ثم تحدثت عن أبنائها.
ولم تتحدث عن نجاحاتهم أولاً.
تحدثت عن حبها لهم.
عن إعداد الطعام لهم.
عن شراء اللبن، والتمر، واللوز، والياغورت.
عن معاملتها لابنها الطبيب وكأنه ما زال طفلاً صغيراً.
الأم لا ترى أبناءها يكبرون.
تبقى تراهم أطفالاً مهما بلغوا من العمر.
وفي كل كلمة قالتها، كان واضحاً أن قلبها أم قبل أن يكون قلب امرأة أعمال.
ثم توقفت عند عبارة قالتها، ولم أستطع تجاوزها بسهولة.
قالت:
“ليس لي رجل يحميني… الله هو الذي يحميني.”
ليست عبارة تحدٍّ.
وليست عبارة يأس.
بل هي إعلان ثقة.
ثقة جعلتها تمضي في حياتها رغم الخيبات، ورغم التجارب التي وصفتها، ورغم ما مرت به من زواج لم يكتب له الاستمرار.
ومع ذلك، لم أقرأ في كلماتها كرهاً للحياة.
بل رأيت أملاً.
قالت إنها ربما تحتاج إلى رجل…
ثم قالت إنها لا تريده.
قد تبدو العبارتان متناقضتين.
لكن الحقيقة أنهما تصفان شعور كثير من الناس الذين جُرحوا.
يريدون السند…
لكنهم يخافون أن يعود الجرح مرة أخرى.
ثم عدت إلى بداية حديثها.
وجدت خيطاً يربط كل شيء.
الأحلام.
الكتب.
الإيمان.
الأمومة.
الوطن.
الملك.
العمل.
الرؤى.
كلها عندها ليست أشياء منفصلة.
إنها عالم واحد.
عالم تعيشه بكل صدق.
قد يفسره الناس بطرق مختلفة.
لكن لا أحد يستطيع أن ينكر أنها تتحدث عنه بإخلاص شديد.
ولو أردت أن أصفها في جملة واحدة، لقلت:
إنها امرأة تعيش بعقل الباحث، وقلب الأم، وروح المؤمنة، وتجد سكينتها بين الكتب أكثر مما تجدها في الأماكن الفاخرة.
ولعل أجمل ما ختمت به حديثها كان دعاءً بسيطاً، لكنه عميق:
“يا رب، اهدني إلى الصلاة… وساعدني عليها.”
هذا الدعاء، في نظري، يلخص الإنسان أكثر من أي وصف آخر.
لأنه دعاء شخص يرى أن الطريق إلى الله ليس ادعاءً بأنه وصل، بل طلبٌ دائم للهداية، وشعورٌ دائم بالحاجة إلى رحمته.
وأظن أن هذا هو أجمل ما يمكن أن يحمله قلب إنسان.
الفصل الرابع: المرأة التي لا تعرف التقاعد من الحلم
هناك أشخاص يحققون حلماً، ثم يجلسون ليحتفلوا به.
أما هي…
فكلما حققت حلماً، ولدت في داخلها أحلام جديدة.
كأن النجاح عندها ليس محطة وصول.
بل بداية طريق آخر.
حين تحدثت عن حياتها، لم تتحدث عن الماضي إلا لتفسر الحاضر.
أما المستقبل…
فكان يسكن كل جملة تنطق بها.
هي اليوم سيدة أعمال.
تقود مؤسسات تعليمية أنشأتها بجهدها، وتديرها بعقلها وقلبها معاً.
لم تكن ترى المدرسة مجرد مؤسسة.
بل كانت تراها مصنعاً للإنسان.
وكانت تؤمن أن بناء طفل واحد قد يكون أعظم من بناء عمارة كاملة.
ولذلك، لم يكن التعليم بالنسبة إليها تجارة.
بل رسالة.
ثم اتجهت إلى عالم آخر.
عالم السينما.
دخلته بثقة.
شاركت في إنتاج فيلم.
ولم تعتبر ذلك نهاية الطريق.
بل كانت تستعد للفيلم الذي يليه.
ثم الذي بعده.
كانت تؤمن أن السينما ليست ترفيهاً فقط.
بل ذاكرة للشعوب.
ورسالة يمكن أن تغير فكرة، أو توقظ ضميراً، أو تخلد قصة لن ينقلها التاريخ الرسمي.
لكن أحلامها لم تتوقف عند حدود المغرب.
كان قلبها يعبر البحر إلى إيطاليا.
هناك، مع أخيها، كانت ترسم مشروعاً جديداً.
ليس مشروعاً تجارياً فحسب.
بل مكاناً يجمع الجمال والطبيعة والإنسان.
قرية سياحية…
أو نُزُل كبير…
أو فضاء يستقبل الناس، ويمنحهم الراحة.
كانت تتحدث عنه وكأنها ترى تفاصيله قبل أن يولد.
وترى الأشجار.
وترى الحجر.
وترى الممرات.
وترى الضيوف وهم يبتسمون.
وكأن الحلم بدأ يعيش قبل أن يبدأ البناء.
وأعجبتني فيها صفة نادرة.
كلما اتسعت أعمالها…
اتسعت رغبتها في التعلم.
لم تقل يوماً:
“يكفيني ما أعرف.”
بل كانت تقول:
“ما زلت أدرس.”
تدرس العلوم القانونية.
وتغوص في قانون الأعمال.
وتقرأ في علم النفس.
وتتعلم فنون الكوتشينغ.
وتطمح إلى شهادات أخرى.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
وكأنها تؤمن أن الإنسان يموت يوم يتوقف عن التعلم، لا يوم يتوقف قلبه عن النبض.
كنت أتساءل:
لماذا كل هذا الشغف؟
ثم وجدت الجواب بينها وبين نفسها.
هي لا تجمع الشهادات لتعلقها على الجدار.
بل تجمعها لتبني بها إنسانة أفضل.
كانت ترى أن كل علم جديد يمنحها طريقة جديدة لفهم الناس.
ولفهم نفسها.
ولخدمة مجتمعها.
ولذلك…
لم يكن غريباً أن أرى في مكتبها كتب القانون بجانب كتب التاريخ.
وكتب التربية بجانب كتب الأديان.
وكتب التنمية بجانب ملفات السينما.
كلها كانت تعيش معاً.
كما تعيش الأفكار داخل عقل واحد لا يعرف الحدود.
وأحياناً كنت أشعر أن الزمن لا يكفيها.
أربع وعشرون ساعة في اليوم…
قليلة عليها.
فهي أم.
ومديرة.
وقارئة.
وكاتبة.
ومنتجة.
وطالبة علم.
وحالمة لا تتقاعد.
وحين أنهيت الاستماع إليها، خطرت ببالي فكرة.
ربما لم تكن أعظم ثروة تملكها هي المال.
ولا الشركات.
ولا العقارات.
بل تلك القدرة العجيبة على أن تبدأ من جديد كلما انتهت من حلم.
فبعض الناس يعيشون حياة واحدة.
أما هي…
فتعيش داخل الحياة الواحدة عشرات الحيوات.
ولو طلب مني أحد أن أضع عنواناً لهذه المرأة في كتاب التاريخ، لما كتبت:
“سيدة أعمال.”
ولا:
“منتجة سينمائية.”
ولا:
“مديرة مؤسسات تعليمية.”
بل سأكتب:
“امرأة آمنت أن الله إذا فتح للإنسان باب العلم، فلا ينبغي له أن يغلقه أبداً، وإذا أعطاه حلماً، فعليه أن يحوله إلى عمل، ثم إلى أثر يبقى بعد رحيله.”
وربما، بعد سنوات طويلة، عندما يقرأ أحدهم هذه الصفحات، لن يتذكر عدد المشاريع التي أنجزتها، ولا عدد الشهادات التي حصلت عليها.
الفصل الأخير: لا تيأس… فإن الله يكتب أجمل الفصول بعد أشد المحن
لو طلب مني أحد أن أختصر حياتي في كلمة، لما قلت: النجاح.
ولما قلت: المال.
ولما قلت: المناصب.
بل سأقول:
الصبر.
لأن كل ما ترونه اليوم، لم يولد في يوم واحد.
وراء كل ابتسامة، ليلة بكى فيها القلب.
وراء كل مشروع، أبواب أُغلقت قبل أن يُفتح باب واحد.
وراء كل نجاح، محاولات لم يرها أحد.
تعلمت أن الحياة لا تعطي الإنسان كل شيء دفعة واحدة.
تعطيه امتحانًا…
ثم تنظر إليه.
فإن صبر، أعطته درسًا.
وإن تعلم، أعطته فرصة.
وإن شكر، فتحت له بابًا لم يكن يتخيله.
لقد أدركت مع مرور السنوات أن أقوى إنسان ليس هو الذي لا يسقط.
بل هو الذي يسقط، ثم ينهض دون أن يحمل في قلبه كراهية لأحد.
لا تجعلوا الحقد يسكن قلوبكم.
الحقد يحرق صاحبه قبل أن يصل إلى غيره.
سامحوا من تستطيعون مسامحته.
وتجاوزوا ما تستطيعون تجاوزه.
لكن لا تسمحوا لأحد أن يهين كرامتكم أو يطفئ نوركم.
إلى كل أم…
لا تستصغري تعبك.
قد لا يشكرك أحد اليوم.
لكن أبناءك سيحملون آثار حبك معهم طوال حياتهم.
كل وجبة أعددتها.
كل ليلة سهرت فيها.
كل دعاء دعوتِ به.
لن يضيع عند الله.
وإلى كل أب…
اعلم أن أبناءك لا يحتاجون إلى مالك فقط.
بل يحتاجون إلى حضورك.
إلى كلمة تشجيع.
إلى حضن.
إلى قدوة.
فالطفل يتعلم من أفعالك أكثر مما يتعلم من نصائحك.
وإلى كل شاب…
لا تجعل وسائل التواصل الاجتماعي تقنعك أن النجاح يأتي في شهر.
النجاح الحقيقي يحتاج إلى سنوات من الصبر.
وربما سنوات من الوحدة.
وسنوات من الفشل.
ثم يأتي اليوم الذي يقول الناس فيه:
“لقد نجح بسهولة.”
ولا أحد يرى الطريق الطويل الذي سبق تلك اللحظة.
تعلموا.
ثم تعلموا.
ثم تعلموا.
لا تتوقفوا عن القراءة.
لا تقولوا إن العمر فات.
العمر لا يقاس بعدد السنوات.
بل بعدد الأفكار الجديدة التي تدخل عقولنا.
الكتاب صديق لا يخون.
والعلم مال لا يسرق.
والثقافة زينة لا يطفئها الزمن.
وأقول لكل امرأة…
لا تسمحي لأحد أن يقنعك أنك ضعيفة.
قد تحتاجين إلى من يحبك.
وقد تحتاجين إلى من يساندك.
وهذا أمر إنساني.
لكن لا تجعلي سعادتك مرهونة بوجود شخص.
ابني نفسك.
وتعلمي.
واعملي.
وأحسني إلى الناس.
فإذا جاء من يقدرك، فليكن شريكًا في رحلتك، لا سببًا في وجودك.
وأقول لكل رجل…
قوة الرجل ليست في صوته المرتفع.
ولا في سلطته.
بل في عدله.
ورحمته.
وصدقه.
واحترامه للمرأة التي تقف إلى جواره.
فالرجولة أخلاق قبل أن تكون قوة.
وأخيرًا…
إذا أردت أن أترك لكم وصية واحدة بعد رحلة العمر كلها، فهي هذه:
لا تفقدوا علاقتكم بالله.
قد يخذلكم الناس.
وقد تتغير الظروف..
وقد تضيق الدنيا حتى تظنوا أن لا مخرج.
لكن إذا بقي بينكم وبين الله باب مفتوح، فاعلموا أن الأمل لم ينقطع.
كنت كلما تعبت، قلت:
يا رب.
وكلما فرحت، قلت:
الحمد لله.
وكلما خفت، قلت:
حسبي الله.
ولم أجد في حياتي ملجأً أصدق من هذه الكلمات.
لا أعرف ماذا يخبئ لي الغد.
ولا أدّعي أنني وصلت إلى نهاية الطريق.
فأنا ما زلت أتعلم.
وما زلت أحلم.
وما زلت أخطئ وأصيب.
لكنني تعلمت حقيقة واحدة، أريد أن أتركها لكل من يقرأ هذه الصفحات:
لا تجعلوا الحياة تغير أخلاقكم.
قد تأخذ منكم المال.
وقد تأخذ منكم أشخاصًا أحببتموهم.
وقد تؤخر أحلامكم.
لكن لا تسمحوا لها أن تأخذ منكم الرحمة، أو الصدق، أو الشرف، أو الإيمان.
ففي النهاية…
لن يسألنا الناس فقط ماذا امتلكنا.
بل سيتذكرون كيف عاملناهم.
ولن نسأل بين يدي الله كم كان في حساباتنا، ولا كم مشروعًا أنجزنا، بل ماذا فعلنا بما أعطانا، وكيف حفظنا الأمانة، وكيف جبرنا الخواطر، وكيف قلنا كلمة الحق حين خاف الآخرون.
وإذا كان لي أن أودع القارئ بكلمة واحدة، فسأقولها من أعماق قلبي:
ازرعوا الخير حيثما مررتم، فإن الأثر الطيب هو العمر الحقيقي للإنسان. وإذا كان الله معك، فلا تخشَ طول الطريق، فكل خطوة تُخطى إليه، لا تضيع أبدًا.
لكنه سيتذكر شيئًا واحدًا…
أن هناك امرأة كانت تقول، في كل مرحلة من حياتها:
“الحمد لله… وما زال عندي حلم آخر.”
.



